الشيخ السبحاني
44
رسائل ومقالات
على المشركين فقد ظلّت مجهولة ؟ والعجب انّ رسوبات فكرة الجبر بقيت بعد بزوغ نجم الإسلام وسادت حال حياة الرسول وبعد رحيله أيضاً . روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت : مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً ، فقلت : ما هذا ؟ فقال عمر : أمر اللَّه . « 1 » ومعنى ذلك انّه لم يكن دور للغزاة من المسلمين في هزيمة حنين ، وقد كانت الهزيمة تقديراً قطعياً لم يكن محيص من التسليم امامها . وهذا هو نفس الجبر لا يفترق عنه قيد شعرة ، مع أنّه سبحانه يقول : « لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ » . « 2 » وقد أشار سبحانه إلى عامل الهزيمة وهو أمران : الأوّل : إعجابهم بكثرتهم ، فاعتمدوا على الكثرة ، مكان الاعتماد على اللَّه سبحانه أوّلًا وعلى قواهم الذاتية ثانياً كما يقول : « إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ » . الثاني : الانسحاب عن ساحة الحرب بدل الثبات ، كما يقول سبحانه « ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ » مع أنّهم أمروا بالثبات كما يقول تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ » . « 3 » والعجب انّ هذه العقيدة كانت سائدة بعد رحيل الرسول وباقية في أذهان الصحابة ، وهذا السيوطي ينقل عن عبد اللَّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر ، فقال : أرأيت الزنا بقدر ؟ قال : نعم ، قال : فإنّ اللَّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني ؟ قال : نعم
--> ( 1 ) . المغازي : 3 / 904 . ( 2 ) . التوبة : 25 . ( 3 ) . الأنفال : 15 .